محمد أبو زهرة

4508

زهرة التفاسير

وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ يجوز أن تكون اللام للتعليل ، أي أننا بعثناهم لكي يتساءلوا بينهم ، وليتناقشوا في مدة لبثهم ، فما كانوا ليتساءلوا لو استمروا في رقودهم ، وقد ضربنا على آذانهم ، ولكن الأولى ما قاله الأكثرون من المفسرين أن اللام لام العاقبة كاللام في قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً . . . ( 8 ) [ القصص ] ، فالمعنى بعثناهم لتكون العاقبة أن يتساءلوا فيما بينهم عن المدة التي لبثوها ، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ، كم من الزمن لبثتم ، لقد قالت الأخبار التي لا وجه للظن فيها أنهم ناموا غدوة يوم ، وصحوا في عشية يوم آخر عندما كانت إرادة اللّه تعالى أن يستيقظوا ، قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، إذا لم يحسب الليل يكون نهارا ، وقد يعد يوما ، وإن حسب الليل يكون بعض يوم ، ونسب هذا القول إلى كلهم ، فقال : قالُوا ، ويظهر أنه قاله بعضهم ، ورضيه كلهم ظنا منهم ، ولكن الريب كان يحيط بهم فاختاروا التفويض لعلم اللّه تعالى بدل الجزم بقول ، ويظهر أن حسهم قد جعلهم يرون تغييرا فيما يحيط بهم ، أو أن حرص المؤمن بقدرة اللّه تعالى جعلهم يعتقدون أن التفويض أولى ؛ ولذا قالوا : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فوضوا أمر علم الزمن إلى اللّه تعالى ، واللّه قادر على كل شئ ولكنهم أحسوا بالجوع ، بعد هذا اللبث الذي يحتمل أن يكون طويلا ، واللّه به عليم . ونسب القول إليهم جميعا ، ويظهر أن بعضهم قاله ووافق عليه الجميع ؛ لأنهم كانوا غير جازمين بزمن معين ، والتسليم في هذه الحال أحوط وأسلم ، وأشد إيمانا وتثبيتا ، وقد أرادوا أن يتركوا الخوض فيما لا علم لهم به ، وأن يشغلوا بأنفسهم ، فقال تعالى عنهم قالوا : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ اجتمعوا على أن يسدوا غلة الجوع ، والورق هي الفضة ، والمراد النقود المسكوكة منها ، و ( الفاء ) للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إن كنتم لا تعلمون كم لبثتم ، فاشغلوا أنفسكم بأنفسكم ، واطلبوا غذاء لكم .